الغزالي

4

إحياء علوم الدين

كتاب شرح عجائب القلب وهو الأول من ربع المهلكات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تتحير دون إدراك جلاله القلوب والخواطر ، وتدهش في مبادى أشراق أنواره الأحداق والنواظر . المطلع على خفيات السرائر ، العالم بمكنونات الضمائر ، المستغنى في تدبير مملكته عن المشاور والموازر . مقلب القلوب ، وغفار الذنوب ، وستار العيوب ومفرج الكروب . والصلاة على سيد المرسلين ، وجامع شمل الدين ، وقاطع دابر الملحدين وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وسلم كثيرا أما بعد ، فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق ، باستعداده لمعرفة الله سبحانه ، التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره ، وفي الآخرة عدته وذخره . وإنما استعد للمعرفة بقلبه ، لا بجارحة من جوارحه . فالقلب هو العالم باللَّه ، وهو المتقرب إلى الله وهو العامل لله ، وهو الساعي إلى الله ، وهو المكاشف بما عند الله . ولديه . وإنما الجوارح أتباع وخدم ، وآلات يستخدمها القلب ، ويستعملها استعمال المالك للعبد ، واستخدام الراعي للرعية ، والصانع للآلة . فالقلب هو المقبول عند الله ، إذا سلم من غير الله . وهو المحجوب عن الله ، إذا صار مستغرقا بغير الله . وهو المطالب ، وهو المخاطب ، وهو المعاتب ، وهو الذي يسعد بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه ، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه . وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى ، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره . وهو العاصي المتمرد على الله تعالى ، وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره . وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه ، إذ كل إناء ينضح بما فيه . وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه . ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل ، إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم ، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم ، فإن الله يحول بين المرء وقلبه وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته ، وكيفية تقلبه بين إصبعين